في فترة ما، قد يجد الرجل -كما تجد المرأة- أنه ينفق في بيته دون أن يحب التي ينفق عليها.
لماذا لا يحبها؟ باختصار، لأنها أخيرًا تحولت إلى إنسانة حقيقية بلا أي زيف.
كبرت، فكثرت عيوب جسدها. تعبت، فقلَّ صبرها عليه واحتواؤها. تقدمت في السن، فكثرت آلامها وأمراضها. كثر أطفالها، وبسبب حال المجتمع باتت التربية صعبة، فرأى كثرة إخفاقاتها. وبسبب العِشرة فقط رأى عيوبها وأخطاءها، فلو سألت أي أحد في الخارج عنها، لأجمعوا أنها جيدة وطيبة، كما سيجمعون أنه كذلك؛ لأن العِشرة وحدها هي التي تذهب البريق الزائف لكل أحد.
فيقول في نفسه:” أنا أنفق على هذه القبيحة المترهلة، أتحملها لأجل ماذا؟ أريد بريقًا مزيفًا آخر، أريد شخصًا لم أعرف عيوبه بعد، ولم تظهر به علامات الزمن. أريد عروسًا جديدة. أنا خمسيني، وهي عشرينية، ستعيدني إلى زهرة شبابي، سأتمتع بها، تلاعبني، وترقص لي، وتضحك لي، وتهدئني”.
حسنًا، لا بأس، هيا اذهب لتتزوج يا أخي، مبارك لك. ومن يمنعك أن تعيش تجربة النقص مرة أخرى؟ قد كنت خائفًا حين تزوجت أول مرة من الرفض، مع أنك كفء وفي سن العروس، ستعيش أضعاف تلك المشاعر المخيفة هذه المرة، نصفها قبل الزواج، ونصفها بعد الزواج؛ فأنت تدرك أن الصغيرة ستراك كبيرًا، وسيكون كل شبان الحي منافسين أقوياء لك.
ولكن لا بأس، قد تستطيع أن تجعل امرأة عشرينية تحتاج إليك، وتحقق أمنياتها في مثل عمرك، من يدري! هيا تزوج يا أخي ونحن أول المهنئين .
“نعم، سأتزوج، فأنا محتاج للزوجة.”
محتاج؟! ظننت أنك تبحث عمن يحتاجك وانك في عمرك تريد أن تعطي لا أن تأخذ .!!
يؤسفني أنك في سن الخمسين لا تزال تعتقد أنك تحتاج المزيد من بهرجات الدنيا ومسؤولياتها، مع أنه يفترض بك أنك عرفت الحياة وحقيقتها، وبت تعلم أن الباقيات الصالحات خير لك وأن الرحلة لإرضاء الله أولى من إرضاء أهل العشرينية. ولكننا نقدر أن عمر العقل لا يتساوى دائمًا مع عمر الجسد، لذلك سأعود وأقول لك: تزوج، هيا اذهب وتزوج.
هيا …
“لاااااا، سأظل أخبر زوجتي القبيحة أنه يجب عليَّ أن أتزوج، ولكنني بكرمي عليها لم أتزوج.”
أتظن أن زوجتك ستصدق أن ذلك بكرم منك! ، وأنك لست عاجزًا حقًّا، وأنك فعلًا لست أمنية عشرينية بكر؟!
أنت كما تراك البكر لديك تجربة سابقة غير سعيدة مع زوجتك الأولى “القبيحة”، ولديك أطفال أيضًا. وللأسف، أنت أيضًا مثل زوجتك، تحولت إلى إنسان حقيقي بلا أي زيف.
كبرت، فكثرت عيوب جسدك. تعبت، فقل صبرك واحتواؤك. تقدمت في السن، فكثرت آلامك وأمراضك. كثر أطفالك، وبسبب حال المجتمع باتت التربية صعبة، فرأت كثرة إخفاقاتك.
وبسبب قلة العِشرة فقط لن تعرف العروس أخطاءك وعيوبك العميقة، لكنها ستتوقعها من سؤالها للناس، ومع العِشرة وحدها سيذهب البريق الزائف لك، وتصبح عبئًا قبيحًا على تلك العشرينية البكر، وتصبح هي أيضًا تخبرك أن عليها أن تتطلق منك، وأنها بكرمها فقط قررت البقاء.
لم أكتب هذه الرسالة لأمنعك عن الزواج، فأنا لن أقنعك ما لم تجرب بنفسك أن هذا ليس هو احتياجك في هذا العمر.
أنت محتاج أن تفهم أن الله تعالى خلقنا بشرًا، وأننا لا نحتاج البشر الذين حولنا، فهم ربما كما تراهم مخلوقات قبيحة، مترهلة، متعبة. والله لم يخلق هذه الكائنات القبيحة -بنظرك- لأنه يحتاجها، بل لأننا محتاجون إليه.
فأنت لا تحتاج زوجتك، والله لا يحتاجك ولا يحتاج زوجتك، ولكنه أراد أن يمتحنك.
هل أنت ممن يطغى ان رآه استغنى؟ يطغى، ويظلم، ويحقر، ويهين، ويشتم، ويكسر؟ أم أنك مسلم تتعامل كما يفعل الله معك مع أنه مستغنٍ عنك؛ يعفو، ويحلم، ويرحم، ويكرمك ويرزقك ويعلمك ؟
بالمناسبة، هل لا تزال تحضر دروس الله ورسوله لك، أم أنك استقلت منذ زمن من جامعة القرآن والسنة؟
حسنًا، في أي درس علمك الله أنك محق حين ترى أن زوجتك هي عدوتك، وأنه يحق لك فعلًا أن تشعر بالكره احيانا ؟
نعم، الله تعالى أخبرنا بذلك، ولكنه علمك -بالذات- كيف تعامل ذلك العدو:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وأما عن مشاعر الكره بالذات، ففي مدرسة القرآن أخبرك أن مشاعرك تلك لا تعني الله:
﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
أليس ذلك الخير الكثير هو الذي كنت تبحث عنه منذ البداية في زوجة أخرى؟
من أراد الزواج للإحصان حقا.. يكرم الأولى ويبحث عن تقية ثانية ويتزوج.. لا يجلس طوال عمره وهو يقول ما لم يفعل..
🌴🌴🌴🌴🌴🌴🌴
