وحين تتحدث شخصية قليلة الشكوى عن التعب، فاعلمي أننا أمام مشقة حقيقية… بدنية كانت أو نفسية.
خمسة أطفال، لكل واحد منهم رغباته المختلفة، وطبيعته، وهمته، واحتياجاته. ولو تحدثت عن أصغرهم فقط، فإن سكب وعاء الملوخية اليوم كان من أبسط إنجازاته! والحمد لله أنها لم تكن ساخنة.
ولم آتِ هنا لأخبركن أنني البطلة الخارقة التي تجاوزت مشقة اليوم بحِلم الأنبياء… لا، فقد نال جهد اليوم من صبري، واستزلني الشيطان في لحظات. وردني خوف الحساب، وبكيت.
لكن… بعد أن نام الجميع، وانتهت جولات تلك المعركة، اكتشفت أنني لست حزينة.
لأنني على ثغر.
ثغر بكل مشقاته، ولا أتمنى أن أبدله بثغر مريح لا أجاهد فيه في سبيل الله.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لكم وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
نعم… أنا مجاهدة.
أقاتل سلوكيات خاطئة كي لا تكبر.
وأقاتل أفكارًا ضارة كي لا تنمو.
وأقاتل كسلًا لو تركته لهم لما فعلوا خيرًا لدنيا ولا لدين.
وأقاتل كرهًا وبغضًا يزرعهما الشيطان، فأظل أوصيهم بالمحبة والأخوة.
وأقاتل شهوات الطعام، والنوم، والنظر، والكلام، واللهو القاتل للأعمار.
وأقاتل خوفهم من كلاب الطريق وحشرات الحديقة، ليتعلموا ألا يخافوا إلا ذنوبهم.
وأقاتل: “هل من مزيد؟” في أحدهم.
وأقاتل: “أنا خير منه” في آخر.
وأقاتل: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ في ثالث.
وأقاتل: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾، أو حتى التثاقل عن صلاة الفجر والمسجد، في رابع.
وأقاتل الظلم، والعنف، والشتيمة، والفساد.
وأقاتل كفران النعمة، وإن كانت بقايا الخبز حولي شاهدة على جهود الصغير في نشر الفوضى كلما سنحت له الفرصة.
لا بأس…
فمع كل صعوبة هذا اليوم، ضحكنا، ولعبنا قبل النوم لعبة التمثيل.
أنهيت ورد اثنين، ولم أستطع مع اثنين آخرين… لا بأس، المهم أنني لم أضيعهم.
أطعمتهم.
أضحكتهم.
قبلتهم.
ناقشتهم في كل فكرة غريبة حملها إليهم العالم.
لا بأس إن كان اليوم متعبًا.
فالحمد لله أنني لم أتركهم للهاتف أو التلفاز لأهرب من مسؤوليتي.
ولم أرسلهم إلى الشارع لألقي أثقالهم على قريباتي أو جاراتي.
ولم ألهب شهواتهم بمشهد من مسلسل أو أغنية عاطفية.
بل حاولت أن ألهب حماسهم للخير، ولإنجاز واجباتهم، ولإتمام أعمالهم.
نعم… بكى بعضهم.
وصرخ بعضهم.
واعترض بعضهم على الخطة الجديدة المكثفة التي فرضتها علينا.
ونعم… شربت دوائي.
وبكيت أنا أيضًا حين وقع كيس الحليب الذي أحضرته للصغير للتو، وانسكب على الأرض، ثم وجدت نفسي أظلم أولادي، وأحملهم مسؤولية أمر وقع رغمًا عنهم.
فاعتذرت إليهم، وطلبت منهم أن يستغفروا الله لي، ودموعي تنهمر خوفًا من عقوبة الظلم.
ونعم…
ألعاب طفلي مبعثرة.
وأوراق النشاط متناثرة.
والسكر الذي حاول ابني أن يسكبه في الكوب صار على الأرض.
نعم… لكل ذلك.
لكن حين يكون كل ذلك في سبيل الله، وفي سبيل حفظ قلوب هؤلاء الصغار، فإنه يهون.
لأنهم أمانة.
ولأنني أرجو أن أعيش حياة تشبه حياة أمهات المؤمنين والصالحات في صبرهن وبذلهن، خديجة مع بناتها أو فاطمة مع أولادها أو هاجر مع صغيرها أو مريم مع آلامها.. مع يقيني أن لكل واحدة منهن خصوصيتها ومنزلتها التي لا يدانيها أحد.
أنا لا أريد حياةً لا أحمل فيها مسؤولية، يرتاح فيها جسدي ويتعب غيري بإهمالي.
ولن اجعل الشيطان يصور لي ان الجلوس لإطعامه شهوات السمع والبصر والأنف والفم أجمل من ذلك الكد ..
فما خُلقت لأستريح في الدنيا، وإنما خُلقت وأنا على ثغر.
وخُلقت وفي قلبي روح مقاتل…
بل روح محب…
لا يستريح حتى يؤدي الأمانة إلى أن يحيله الملك إلى التقاعد متى شاء .
ولا أتمنى لي، ولكل أم جاهدت اليوم، وربما كانت أشد جهادًا مني، إلا أن يجمعنا الله مع أمهات المؤمنين والصالحات في جنات النعيم، وأن يرزقنا بيتًا بجانب بيت خديجة رضي الله عنها لا صخب فيه ولا نصب، وأن نسجد تحت عرشه شكرًا له على شرف خوض هذه المعركة اليومية في تربية عباده الضعفاء .
وأخيرًا…
ألعب معكن كما ألعب أحيانًا مع أطفالي لعبة “لو خيروك”:
بين القهوة والحليب، ماذا تختارين؟
بين السفر إلى الفضاء أو الغوص في البحر؟
ولو خيروك بين حياتين:
حياة مزدحمة بالمسؤوليات، يمتلئ فيها يومك بمن يحتاجك وينتفع بوجودك…
وحياة فارغة، لا أحد فيها يناديك، ولا ينتظر منك شيئًا…
أيُّهما تختارين؟
أما أنا، فأدعو الله ألا أتمنى فراغًا يبعدني عن رسالتي، بل أتمنى الثبات حتى الممات على ما يرضيه.
وان يغفر لي زلات وهفوات وتأففات لا أقبل مثلها من أولادي.. فبكرمه فليعف عني فإني اعفو عنهم..
اللهم تقبل منا، وأعنَّا على أداء الأمانة كما تحب وترضى.
