سأضرب لك مثلا ليقرب لك الأمر تخيلي أن أهل الأرض قسمين قسم آكل للحوم البشر وقسم نباتي
تخيلي معي أن النباتيين خافوا من آكلي لحوم البشر فاختفوا في سرداب بعيدا عن أعين آكلي لحوم البشر ما الذي سيجري في المجتمع الخارجي فساد عظيم ومقتلة وشريعة الغاب ستسود الدنيا ..وسنوات قليلة ويأكل بعضهم بعضا وينقرضون وفي نفس الوقت سيموت النباتيون مع المدة واحدا تلو الآخر ولن يذكرهم أحد بخير أو شر وسيرحلوا بلا أي دور في الحياة ..
وكذلك نحن كمسلمين ومصلحين لو حققنا للكفار أمنيتهم واختفينا عن أنظارهم لن نكون جاهدنا في سبيل الله ولا دعونا لسبيله ولا أحدثنا أثرا على الأرض ولا أقمنا الحق ولا نشرنا العدل .. فلماذا سنستحق الفردوس والجنة والرضا !! سنكون كالخراف عاشت مسالمة وماتت ومن فينا يترحم على خروف مات قبل ألف سنة !!
لم يرد الله ذلك منا بل أراد أن يدفع الحق الباطل والباطل الحق لينال كل انسان فرصته في أن يحقق العبودية والدعوة لله … وينال الجنة .
لكن تخيلي أيضا معي أن النباتيين خالطوا آكلي لحوم البشر فعلا ولكن بلا مدافعة للباطل بل جاملوا الباطل وربما أحيانا تناولوا لقيمات من لحم البشر لمجرد المداهنة وسكتوا ولم يأمروا بمعروف ولا نهوا عن منكر ولا دافعوا عن مقتول مأكول ، ولا أبدوا اشمئزازهم من منظر الدم الخارج من أفواه المجرمين ، فعاشوا مع المخالطة ولكن دون مدافعة .. فالذي سيجري هو أن الباطل سيزيد أكثر مما لو اختفى النباتيون ليس لأنه باطل.. بل لأن النباتيين سيلدون ويتكاثرون ولكن ذريتهم أغلبها لن تكون نباتية بل مجرمة لا تشبه النباتيين ..
فالوالد سكت والولد سيقول لم لا أقلد الأكثرية هنا ، لم أعيش محروما من اللحوم .. ستعجبه القوة الظاهرة على المجرمين وسيلاحظ خوف النباتيين لماذا أعيش خائفا الأفضل أن أكون مهابا قويا آكلا للحوم البشر ويخافني النباتيين وأفعل ما أشاء …
كذلك الحال مع المسلمين الضعاف والمجرمين لو خالطوهم وجاملوهم سيكونون سببا في تكثير الباطل لذلك لا عجب أن يكون المنافقون في الدرك الأسفل من النار لأنهم أفسدوا أكثر مما أصلحوا ..
نكمل المثال الآن سنفرض أن النباتيين قرروا الدعوة للمنهج النباتي وإخراج آكلي لحوم البشر من الاجرام للرحمة وأن ينهوا عن المنكر ذاك ويستخدموا الاعلام لينفروا الناس من قتل الآخرين بإظهار القسوة والألم الذي في أكلهم .. وابراز جمال الرحمة والتراحم والتعاطف والعطاء، ولكنهم اعتزلوا آكابر المجرمين المؤذين وذهبوا الى الضعفاء المتضررين أكثر فاعتزلوا ما يؤذيهم مؤقتا ليكثروا ويصبحوا أقوى ولا يُؤكلوا فيدفعون الباطل ويختارون المكان الذي يسهل فيه نشر الرحمة لا يظلون في مكان يؤذون فيه بحجة الصبر فهذا لن ينفع ..
بل يعتزلون المكان الذي لا يستطيعون احداث أثر فيه بعد أن يكونوا حاولوا ويئسوا ..
هذه الصورة هي صورة الحياة فعلا .. فالكفر بالله ليس يضر الكافر وحده وليس القضية قضية جنة ونار فقط ..فأثر الكفر سيظهر على الأرض بكثرة الفساد …
( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)
المثال أعلاه ، اقتصر على فكرة إشباع شهوة البطن من لحوم البشر ، لكن الكافر له شهوات كثيرة وبقدر كفره سيشبع كل شهواته من لحوم البشر ودمائهم وأموالهم وأعراضهم
فهو حين يشتهي الجنس سيأكل لحوم النساء ببصره ويعريهن ويفعل كل شيء للتربص بهن ليأكل لحومهن والغريب أنه قد يقنعهن أيضا بالاستسلام لطعمه ..
لا فرق بين الزنا العابث وأكل لحم البشر ..
حين يشتهي المال سيأكل أوقات الناس وأعمارهم وأموالهم ويسرق ويرتشي ويفعل ويفعل ..لا فرق بين المال الحرام وأكل لحوم البشر، فأموال الناس تفنى أعمارهم لكسبها ، ليأخذها هو مرتاحا ..
حين يشتهي الكافر الرئاسة سيشبع شهوته بالتسلط والتنمر والاستبداد على موظفيه ومن هم تحته سيأكل قلوبهم ومشاعرهم سيأكل احترامهم وكرامتهم لينال ما يريد ..
لا فرق بين أكل لحوم البشر وأكل حقوقهم لإذلالهم ..
(أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين )
الذي يشتهي الراحة والكسل سيأكل أعمار كل من حوله ليسخرهم لخدمته والعمل على راحته وإمتاعه ..
الذي يشتهي المدح سيأكل أعراض من حوله ويسقطهم بالهمز واللمز لكي يمدح وحده وهكذا ..
بعد هذا نقول : نعم الذي يعايش آكلي لحوم البشر ليكفهم وينقذهم سيتحمل أذاههم لأنهم سيحاولون أكله ..هو أفضل ممن اختبأ في السرداب بعيدا عنهم ..
ولكن الذي اختبأ في السرداب فاعتزل ما يؤذيه هو أفضل ممن خالط وجامل وسكت وابتسم كالأبله للذي يجري …
